مجلة قطوف الهند

Qutoof Al-hind Magazine

ISSN: 2583-5130 (Online)

Related Articles

لن ينفك العش عن صاحبه
لن ينفك العش عن صاحبه حسن نور الإسلام كاتب هندي في ظل تقهقر ظلمات الدجى، وانته
view
... الفنّان العراقي علي جودة، واعتقال الطائي، وعقيل علي
 الفنّان العراقي علي جودة، واعتقال الطائي، وعقيل علي ..  صناع المحبّة والسّل
view
وهي ساكتة تقرأ في كتاب !!؟؟
 وهي ساكتة تقرأ في كتاب !!؟؟    د. قمر شعبان /الهند ------------------ غزالة، م
view
جنية في قارورة
خاطرة جنية في قارورة بقلم د. محمد عفان[1] ------------------------------ يشاع عن أحد العلماء
view

ترياق الشرق

Qutoof Al-hind - ISSN: 2583-5130 - مجلة قطوف الهند، المجلد 4، العدد الأول والثاني 2025
December 31, 2025
24 


الخاطرة

ترياق الشرق:

كيف أعادت حكمة بيدبا وبراءة حي بن يقظان صياغة وجداننا؟

بقلم د. جميلة الوطني/ مملكة البحرين[1]

----------------------------------------------------

 

عند تخوم المنامة، حيث يخلع البحر زرقته الرائقة ليلتحف بها الأفق في صلاةٍ وجدانيةٍ مهيبة لا تنقضي، وقفت أرصد الأمواج وهي تحيك بأصابعها المائيّة الرقيقة مناديل من زبدٍ وضياء، تنثرها فوق رمالٍ ممتدةٍ كأنها مرسال بعثه غابر الأزمان، أو معلّقة دهرية كتبت بمداد الذهب ولم يخطَّ الزمان قافيتها الأخيرة بعد.

كنت أقف في تلك اللحظة الغامرة، أستكين لجلال الصمت الذي يلفّ المدى، وأسترق السمع بقلبي قبل أذني لهمسات المحار المخبأة في تجاعيد الأعماق الغائرة كأنها تمائم عتيقة لفظها المحيط في هدوء، ليعيد بها ترتيب ذاكرتي المبعثرة بين ضفتين حانيتين...ضفة المنشأ حيث الجذور، وضفة الروح حيث يشرق النور.

في غمرة هذا السكون الباذخ الذي يطهر الروح من أوحال الحياة العصرية وضجيجها الخاوي، ترددت في ذهني فكرة، كأنها طائر زاجل يخرج من تحت رماد الأساطير الغابرة ليخترق أستار الزمن، حاملةً إليّ أملًا في أن أسهم بمداد فكري في إشعال قناديل المعرفة من أرض "السند والهند"، لتكون جسرًا حضاريًا تعبر فوقه أحلام المثقفين من المحيط إلى الخليج، محملةً بعبير التوابل وأسرار الفلسفة العميقة.

 من "بنجاتنترا" إلى لسان العرب

     بين ترنيمات المد والجزر التي تعزف لحن الأزل على قيثارة الشاطئ، انبعث في مخيلتي طيفان لا يفترقان. طيف الفيلسوف الهندي الفذ "ڤشنو شرما"، المعروف بـ "بيدبا"، وطيف الفيلسوف الأندلسي العبقري ابن طفيل.. لقد تراءى لي بيدبا وهو يخطّ بريشة بصيرته فصول كتابه الخالد "بنجاتنترا"، تلبيةً لرغبة الملك دبشليم، ليقطّر الحكمة في قوارير الحكايات، بينما كان ابن طفيل يسكب من محبرة عبقريته ملحمة "حي بن يقظان".

تراءى لمخيلتي في تلك اللحظة ذلك المهد الخشبي العتيق وهو يغالب صخب اليمّ وعتوّ الأمواج المتلاطمة، وكأنه رحم من خشب الساج يحمل في جوفه طفلًا غضًا، بريئًا كفجر لم يشرق بعد، لا يملك من أسباب البقاء إلا خفقات قلبه الواثقة، حتى استكان به المآل على شواطئ إحدى جزر الهند القصيّة.

لقد انطلق "ترياق الشرق" من قلب القارة الهندية، ليتلقفه المبدع عبد الله بن المقفع، الذي لم يتعامل معه كمترجمٍ ينقل اللفظ، بل كخيميائيّ يستنطق الروح؛ إذ سكب في قوالب الضاد رصانة الحكمة الهندية، فجاءت نسخته العربية "كليلة ودمنة" جسرًا عبقريًا عبر عليه العقل العربي نحو كنوز الشرق. ببراعة الفذّ، جعل ابن المقفع من هذا الأثر لسان حالٍ للقيم الإنسانية المشتركة، مصهورًا في وجدان أهل الخليج الذين حملت سفنهم قديمًا البخور والحكمة معًا، ليبقى هذا السفر شاهدًا أزليًا على أن لغة العقل لا تحتاج إلى جوازات سفر.

لم تكن حكاية حي بن يقظان بالنسبة لي مجرد بحث فلسفي جاف عن العزلة، بل هي رمزية عميقة لصلة قدرية لا تنفصم.. صلة جعلت من المحيط جسرًا للعبور والاتصال لا حاجزًا للفصل والشتات.

ثمة رابط سحري غامض يتجلى في ذلك التماهي المذهل بين شواطئ مملكة البحرين التي أقف عليها الآن، وبين مفهوم الجزر الذي تردد كصدىً شعري وفلسفي في رواية ابن طفيل. فالبحرين، بصفتها أرخبيلًا يحتضن مياه الخليج، تبدو لي كأنها مختبر للكون، تمامًا كما كانت تلك الجزيرة البعيدة في الهند مسرحًا لانبثاق النور الإنساني الأول.

 الكلمة والترياق: صياغة كينونة الضفتين

إن الوشائج الضاربة في عمق التاريخ بين البحرين والهند لم تكن يومًا رهينةً لحسابات الأرقام الباردة، بل هي حالة من الانصهار الوجداني الباذخ.. لقد كانت الكلمات والأفكار أسرع جريًا في عروق الزمن من القوافل؛ فحين دخلت النغمة الهندية الشجيّة في المشهد الموسيقي البحريني، لم تكن غريبة، بل وجدت مستقرها بين تلافيف "فن الفجري" وعمق "البستات" البحرينية الأصيلة.

لقد تماهى صريف العود الخليجي مع أنين السيتار الهندي في صورة رمزية تعبّر عن تلاقٍ كونيّ يتجاوز الجغرافيا.. فالكلمة عند "بيدبا" كانت دواءً، لا تكتفي بالتنظير بل تنطق البهائم بلسان الفطرة لتقدم للبشرية مرايا صافية.. إنه الحكيم الذي يقدّم الحقيقة عاريةً من التجمّل، كتحذيره من الانسياق وراء الظنون بقوله: "إن الذي يعمل بالشبهة يكون قد صدق ما ينبغي أن يشك فيه"، ليكون قوله دواءً مرًا يشفى من داء الجهل.

المنامة... مرفأ الحكمة ومنارة التعايش

المنامة، بروحها المتسعة وسماحتها المعهودة، لم تكن مجرد مرفأٍ تجاري فتح أشرعته للسفن المصنوعة من خشب الساج الهندي، بل كانت قلبًا نابضًا احتضن الأرواح الهائمة والقصص المعتقة التي حملتها الرياح الموسمية من ضفاف السند ومنطقة الكوجرات.. ليتخلق من هذا التمازج طيف ثقافي فريد، قوامه التسامح الذي لا يزال ينبض حيًا في أزقة المنامة العتيقة، شاهدًا على أنّ البحر لم يفصلنا يومًا، بل كان يجمع شتات أحلامنا ليرتبها في لوحة حضارية واحدة متعددة الألوان.

واليوم، وإذ أقف مأخوذةً بجلال الهند، أستدرّ من معين ثمارها ما يبشر بميقات فكري بكر.. تشرئبّ الروح نحو أفق ممتد، مستحضرةً تلك اللحظة الأزلية حين احتضنت جزر الهند الغابرة "حي بن يقظان"، فآوته من شتات التيه، وأفضت إليه بمكنون أسرار الوجود الكبرى، تمامًا كما احتضنت لغتنا العربية ترياق "بيدبا" ومنحته خلود البيان.

الطفل القادم والمهد المتجدد

إنني بحدس أستأنس به، وبيقين لا أزعم تمامه، أرتقب ذلك المدّ القدريّ الجديد الذي سيقذف نحو شطآننا بمهد خشبي آخر، ليس مصنوعًا من الساج فحسب، بل مطرزًا بأسرار المحيط وعطور التوابل الفكرية...مهد ينسلّ في رفق من أعطاف الهند العظيمة ليحمل في أحشائه طفلًا يفيض طهرًا، ويتقد خيالًا، وكأنه قبس من نور الشرق القديم بعث ليجدد وجه الأرض بالعلم والفن.

هذا الطفل هو رمز لانبعاث "بيدبا" جديد في عصرنا الحديث؛ فكر يجمع بين براءة الفطرة وبين عمق التجربة التاريخية..إنه يمثل تلك البراءة الأولى التي استعادتها الحكمة بعد طول سفر؛ فالحكمة الحقة في نهاياتها لا تزيدنا تعقيدًا، بل تمنحنا تذكرة عودةٍ إلى دهشة الأطفال.

ليس هذا القادم إلا مشكاة لمبادرات ثقافية كبرى، تروم صياغة ملحمة الوحدة بين ضفتينا برؤية تلامس شغاف المستقبل.. رؤية تبدأ من تراسل الأرواح عبر جسور الترجمة الرصينة، لتنطق عيون الأدب الهندي بلسان عربيّ مبين، وتستعيد الفلسفة العربية نضارتها بمرآة هندية صافية.. هي رحلة تمر عبر أوراد إبداعية مشتركة، تمحو المسافات بين عقول المنامة وحكماء دلهي، لتنصهر في نتاج فكري يبرهن للعالم أن نبض الجمال لا يوقفه قيد.

إن هذا الطفل القادم لم يأت إلا ليردّ للهند جلال براءتها، ويسدد بعضًا من دين فيضها المعرفي الذي طالما أنار دياجير الفكر البشري.. طفل يرتشف لبان الحكمة بين رمالنا الذهبية الدافئة ومياهنا اللازوردية الصافية، لينحت للكون أيقونة الوحدة الإنسانية، ويثبت أن "براءة الحكمة" هي الترياق الأسمى الذي سيصهر مفاخرنا في بوتقة حضارية تليق بتاريخنا الضارب في عمق الأزل.

فلنحفر معًا في رمالنا سواقي من نور، ليبقى التواصل بيننا وبين الهند نهرًا من السناء الأبدي لا يغاض، يغسل وجنات التاريخ من غبار القطيعة، ويملأ رئة المستقبل بعطر الحكمة وضياء الجمال الخالد.

********************************************************************

 

[1]  كاتبة وشاعرة من مملكة البحرين

Post a comment:



© 2022 Qutoof Al-hind Journal