مجلة قطوف الهند

Qutoof Al-hind Magazine

ISSN: 2583-5130 (Online)

Related Articles

لن ينفك العش عن صاحبه
لن ينفك العش عن صاحبه حسن نور الإسلام كاتب هندي في ظل تقهقر ظلمات الدجى، وانته
view
... الفنّان العراقي علي جودة، واعتقال الطائي، وعقيل علي
 الفنّان العراقي علي جودة، واعتقال الطائي، وعقيل علي ..  صناع المحبّة والسّل
view
وهي ساكتة تقرأ في كتاب !!؟؟
 وهي ساكتة تقرأ في كتاب !!؟؟    د. قمر شعبان /الهند ------------------ غزالة، م
view
ترياق الشرق
الخاطرة ترياق الشرق: كيف أعادت حكمة بيدبا وبراءة حي بن يقظان صياغة وجداننا؟ ب
view

جنية في قارورة

Qutoof Al-hind - ISSN: 2583-5130 - مجلة قطوف الهند، المجلد 4، العدد الأول والثاني 2025
December 30, 2025
23 


خاطرة

جنية في قارورة

بقلم د. محمد عفان[1]

------------------------------

يشاع عن أحد العلماء الفقهاء في بلادنا أنه أجاز في فتوى من فتاواه،وذلك بشيء من التحفظ، سرقة الكتب، إذا تمكن منها دراس نهم. كما يقال عن بعض أشهر المكتبات إن مؤسسها أرسى قواعد مكتبته على كتب ومخطوطات نادرة مسروقة - لا أدري لماذا تحيلني هذه الرواياتوالسلوكيات إلى كتاب لأميتاب غوش عنوانه: “Smoke and Ashes: AWriter’s Journey Through Opium’s Hidden Histories”-ما يوحي بأن بعض أكبر الشركات في العالم، والعديد من أقوى العائلات والمؤسسات الأمريكية قامت على تجارة الأفيون. على أي حال أظن أن هذه الأقوال أباطيل أو من زخرف القول أو حكايات للتندر والتفكهة تتناقلها الأجيال خلفا عن سلف في دور العلم والثقافة. ولكن في الوقت نفسه يخطر ببالي في ضوء تجربتي أن ما يقال هو صحيح. فقدشاهدت وما أكثر ما شاهدت الطفل وما كبر منه يتجول في الحديقة، يتلفت يمينا وشمالا، ثم يمد يده خفية إلى وردة متفتحة فيقطفها، ويحتكرها لنفسه، لا يقدر على أن أن يتكحم في نفسه الأمارة بالسوء أو يستسلم لغلبة شعور الجمال وقهره، كما جربت شخصيا، كتب ذهبت من عندي ولم تعد، أعلم علم اليقين ذهابها وغيابها، ولكن لا أعلم متى وإلى من؟ فأنا غير مستغرب من صحة ما يقال عن سرقة الكتب. كما أنا عجبي يزول إذا راجعتتجربتي. فـ"فتاوايي" تحرم بسرقة الكتب بينما تسمح بقطف الأزهار وسرقة بعض الأغصان الناعمة بشرط على أن لا يجر ذلك إلى فساد كبير في المصالح العامة.

ومطمئنا إلى ما وصل إليه رأيي واستقر عليه "تفقهي" ولكن مختلسا النظر جراء الضغوط الاجتماعية، متلصصا،آخذا في عين الاعتبار شذوذ مثل هذا الرأى و"الفقاهة"،اقتطعت ورقة صغيرة خضراء لا يكاد يتجاوز طولها وعرضها ثلاثا في ثلاث بوصات مع قطعة من الفرع الناعم من شجيرة في أصيص ظانا أنها البوتس أو البوثوس، وجئت بها إلى غرفتي، واخترت لها قارورة جميلة نحيلة بحجم نصف قدم، وملأتها ماء، وغطست فيها جزء الفرع بطريقة ظلت الورقة خارج فوهة القارورة لامعة، ثم علقت القارورة بمسمار في الجدار في مكان يمكن للعين أن تتملى جمالها متى شاءت.

بقيت "الشجيرة/الورقة" في القارورة مثبتة في الجدار حولين كاملين غذاؤها ماؤها ونور الشمس المتسلل الضئيل،ولكن دون أن ألاحظطول هذه الفترة نموا مرجواوتطورا ملموسا، إلا من ورقة جديدة تأخذ مكان الورقة القديمة بعد أن تصفر هذه القديمة وتذوى وتفنى، وجذور صغيرة نامية متدلية، ثم الورقة لا تزيد في عددها ولا تنقص. هذه الدورة ظلت قائمة دون أي تغيرجوهري، حتى أتى علي يوم سئمت من ركود المنظر،وعزمت أن أنتهيمن قصة البوثوس، ولكن لا بدون تجربة أخيرة، وليكن بعدها ما يكون.

انتزعت الورقة وما معها من محيطها، وحضرت أصيصا صغيرا، ملأته ترابا، وغرست فيه أو الأحرى ألقيت فيه وتخليت. أبقيتها في الغرفة في دراجة حرارتها المعتادة عدة أيام، فرأيت أن نقلها من مكان إلى مكان لم يؤثر فيها شيئا قليلا ولا كثيرا، هي حية، لا تنكمش ولاتنداح، ثم أخرجتها إلى الشرفة حيث أشعة الشمس تبقى لست ساعات تقريبا، وبعد أيام فقط رأيتها لعجبي تنمو ويتغير شكلها ومزاجها، يتسع حجمها وفي الوقت ذاته ينبت من داخلها ما يشي وينبئ بنشأة ورقة أخرى. وبعد أيام قلائل أخرى كان الأمر أكيدا: الشجيرة كانت قد استوت على سوقها، وتقول بلسان حالها أن هذا الأصيص الصغير لا يسعني في المستقبل، أنا لست من الجنس الذي تحسبني أنا منه، أنا من جنس آخر. ولكن حتى الآن لم تظهر على صورتها الطبيعية وهيئتها الحقيقية. الورقة مثل ورقة "البان"،مع فارق، أكثر كثافة وأقل نعومة منها. ثم آن أوان نقلها إلى أصيص أكبر يلبي دعوتها ويفي حاجتها. وصدق لسان حالها.

مر عليها الآن، إذا أسعفتني الذاكرة، قرابة خمس سنوات. هي ليست ما كنت أردتها. أخطأت الظن والتخمين. لكن بالله وبحمد الله أجمل مما كنت وددت اقتناءها واكتنازها. طول الشجيرة الآن قدم، وحجم ورقة من أوراقهاكفان وأزيد مشقوقة بطريق ونسب تسر الناظرين. هي شجيرة قشطة دندروم.

أفكر في حجمها الآن والقارورة التي كنت وضعتها فيها. حاولت تقزيمها فآثرت الموت. وضعتها في محيطها الأصلي وأعطيتها الحرية فهي الآن كما هي، لا أملك كلما رأيتها واستعرضت تاريخها إلا أن أقول: تبارك الله أحسن الخالقين... جارتي تقول إنها في رأيها من أحب من اقتني من الأشجار والشجيرات، وأحسب لولا حراستي الشديدة لسولت نفسها بسرقتها، فهي تكاد تصدق بما أصدقه من الفتوى.

*****************************************************************

 

[1] أستاذ مساعد في قسم اللغة العربية بجامعة راجوري، جامو وكاشمير.

Post a comment:



© 2022 Qutoof Al-hind Journal