مجلة قطوف الهند

Qutoof Al-hind Magazine

ISSN: 2583-5130 (Online)

Related Articles

وجهٌ ماطرٌ جدّاًً قليلاً
وجهٌ ماطرٌ جدّاًً قليلاً مسرّحية من خمسة مشاهد بقلم: سناء الشّعلان (بنت نعيمة) /
view
مسرحية الطريق- سيرة ذاتية صامتة
مسرحية الطريق- سيرة ذاتية صامتة بقلم: صباح الأنباري/ العراق   الصامتون: السا
view
البُعْدُ الخَامس
مسرحية البُعْدُ الخَامس مسرحية مستوحاة فكرتُها من رواية عربية (عن رواية "أعش
view
مسرحية المزاد
مسرحية المزاد بقلم: عقيل هاشم/ العراق الشخصيات: المنادي / الشاب / الرحل الغني..
view

مسرحية بنت عدنان

Qutoof Al-hind - ISSN: 2583-5130 - مجلة قطوف الهند، المجلد 4، العدد الأول والثاني 2025
December 31, 2025
27 


مسرحية بنت عدنان

بقلم: صفوان أحمد[1]

---------------------------

      شخصيات المسرحية:

اللغة العربية الصحراوية

الشاعر امرؤ القيس

اللغة العربية المجتمعية

أمامة بنت الحارث

بنت أمامة

قس بن ساعدة

زهير بن أبي سلمى

عمرو بن كلثوم

الخنساء

طفل

جماعة من الناس بينهم التجار والنساء والأطفال

المشهد الأول

(كانت اللغة العربية مطرودة وحيدة في وسط الصحراء الممتدة، ثم بدأت  تسمع صوتًا خفيفًايأتي من بعيد،  ويتصاعد الصوت قليلا قليلا صادرا عن شخص يرتدي ثوبا خشنا قديما، وشعره أشعث وأغبر يغطي وجههه في هذه الأطلال....وهو أمير الشعراء امرؤ القيس)

امرؤ القيس: (جالس على الأطلال وحيدا ينشد..)

ومَـرَّ عَلَى القَنَـانِ مِنْ نَفَيَانِـهِ           فَأَنْزَلَ مِنْهُ العُصْمَ مِنْ كُلِّ مَنْـزِلِ

وتَيْمَاءَ لَمْ يَتْرُكْ بِهَا جِذْعَ نَخْلَـةٍ                  وَلاَ أُطُمـاً إِلاَّ مَشِيْداً بِجِنْـدَلِ

كَأَنَّ ثَبِيْـراً فِي عَـــــرَانِيْـنِ وَبْلِـهِ         كَبِيْـرُ أُنَاسٍ فِي بِجَـادٍ مُزَمَّـــــــــــلِ

كَأَنَّ ذُرَى رَأْسِ المُجَيْمِرِ غُـدْوَةً        مِنَ السَّيْلِ وَالأَغثَاءِ فَلْكَةُ مِغْـزَلِ

وأَلْقَى بِصَحْـرَاءِ الغَبيْطِ بَعَاعَـهُ                 نُزُوْلَ اليَمَانِي ذِي العِيَابِ المُحَمَّلِ

كَأَنَّ مَكَـاكِيَّ الجِــــــوَاءِ غُدَّبَـةً         صُبِحْنَ سُـــــــــلافاً مِنْ رَحيقٍ مُفَلْفَـلِ

كَأَنَّ السِّبَـاعَ فِيْهِ غَرْقَى عَشِيَّـةً                 بِأَرْجَائِهِ القُصْوَى أَنَابِيْشُ عُنْصُـلِ

اللغة العربية: (تهمس وتقول في نفسها) إنني أصاحب هذا الشاعر البليغ لأعرف الناس الذين ينطقون بي مثل هذا....(هي تدنو من التل وتصعد إلى القمة من الخلف وتسأل في صوت خافت حلو) من أنت يا رجل؟

امرؤ القيس: (يميل إلى الخلف ويقوم فجأة خائفا)من أنت؟ هل أنت اللغة العربية؟ ماذا تفعلين هنا في هذا اللباس الخشن؟

اللغة العربية: (واقفة على مكانها ) أيها الرجل أنت أمير الشعراء، وأنا وحيدة طريدة شريدة هنا ومدفونة تحت الركام منذ زمن.....

امرؤ القيس: من أردى بك إلى هذا الحال يا أميرة اللغات؟

اللغة العربية: أنت وأصحابك، إنهم جاءوا بي هنا في الصحراء وتركوني وحيدة....

امرؤ القيس: آهٍ،أ تقصدين الشعراء الصعاليك الذين شردوك؟

اللغة العربية: ليسوا هم الوحيدين الذين تخلوا عني، لو لا قصائدك لمت حية، كما ماتت لغات أخرى كثيرة عبر التاريخ.

امرؤ القيس:

لا، لا يا أميرة، مهلاً… أما تعلمين أن هناك عددًا كبيرا من الناس الذين ينطقون بكِ؟ أنتِ لستِ مثلنا؛ نحن البشر نمضي أيامنا ونقترب من الأجل، أمّا أنتِ فأنت حيّة خالدة، تزدادين قوةً وشبابًا كلما مرّ بك الزمن وازداد عدد الناطقين بكِ.

اللغة العربية:
نعم، حقًّا… أنا أفرح كلما كثر الناطقون بي، ولكن أين هم؟ أين الذين يجعلونني لغة حياتهم؟

امرؤ القيس:
تعالي معي يا أميرة الأشراف والملوك، ستتعرفين إلى الأجيال كافةً، صغارًا وكبارًا.

(ينهض ويمضي نحو المجتمع منشِدًا أبياتًا من شعره)

إِذَا قَامَتَا تَضَوَّعَ المِسْكُ مِنْهُمَـا                    نَسِيْمَ الصَّبَا جَاءَتْ بِرَيَّا القَرَنْفُلِ

تَجَاوَزْتُ أحْرَاساً إِلَيْهَا وَمَعْشَـراً     عَلَّي حِرَاصاً لَوْ يُسِـــرُّوْنَ مَقْتَلِـي

إِذَا مَا الثُّرَيَّا فِي السَّمَاءِ تَعَرَّضَتْ       تَعَـرُّضَ أَثْنَاءَ الوِشَاحِ المُفَصَّـلِ

اللغة العربية: من هي حبيبتك؟ ولمن تنشد هذه الأبيات؟

امرؤ القيس: أنا أحب عنيزة وهي حبيبتي، لكنها انصرفت عني ولم يقبل أبوها خطبتي ....

اللغة العربية: آهٍ!

امرؤ القيس: ها هو المجتمع، ستجدين نفسكِ فيه عاليةَ المكانة، مرتفعةَ المنزلة، وستلتقين بالشعراء، وسيعرّفونكِ عند الأشراف والملوك.

(هما يغيبان عن المسرح من باب سري)

المشهد الثاني

(ويدخل جمعٌ غفيرٌ إلى المسرح من الباب الأمامي، يمثّل مجتمع العصر الجاهلي، وبينهم اللغةُ العربيةُ المجتمعية، وقُسّ بن ساعدة، وأمامة بنت الحارث، وابنتها، وآخرون من التجار والأشراف والنساء والأطفال... هنا تُرى اللغةُ العربيةُ المجتمعية جميلةَ الوجه، جالسةً في ركنٍ، وحيدةً فريدةً، فتلمح اللغةَ العربيةَ الصحراوية تتقدّم إليها خلف امرئ القيس، فتلتقيان...)

اللغة العربية المجتمعية: مرحبا يا حبيبتي الغالية، كيف حالك وما أخبارك؟

اللغة العربية الصحراوية: حياك الله وبياك وأدامك بالفرح والسرور، كل شيء على مايرام، لكن أنظري إلى حالتي الرديئة وشعري المشعث ووجهي المليء بالغبار ....

اللغة العربية المجتمعية: أين كنت منذ زمن؟ ومن يتحدث بك؟

اللغة العربية الصحراوية: أعيش في الصحراء العربية ولقيت معظم الشعراء مثلا تأبط شرًّا والشنفرى والسليك بن السُّلَكة ....

اللغة العربية المجتمعية: آههههه، كنت ألسنة الشعراء في الصحراء؟

اللغة العربية الصحراوية: أجل، وبعد كنت نائمة في وسط الصحراء بعيدة عن الحضارة منذ زمان حتى أيقظني امرؤ القيس ...

اللغة العربية المجتمعية:  أين ولدت أنت ومتى ولدتِ؟

اللغة العربية الصحراوية: لا أدري متى ولدت وأين ولدتُ... لكني رأيتُ ولقيت هؤلاء الشعراء في شبابي.

اللغة العربية المجتمعية: هه هه! وأين قضيت زمن طفولتك ومع من؟

اللغة العربية الصحراوية : في الحقيقة لا أعلم بطفولتي، وأما الناطقون بي في الصحراء فهم كثيرون، لكنني لا أعرف إلا عددا قليلا منهم.

اللغة العربية المجتمعية : فمن الشخص الأول الذي نطق بك حسب معرفتك؟

اللغة العربية الصحراوية: كما سمعت أن الناطق الأول بي هو مضر بن نزار والمهلهل بن ربيعة...

اللغة العربية المجتمعية: آهههه، هل هؤلاء يعدون مخترعين للشعر العربي؟

اللغة العربية الصحراوية: أجل حبيبتي كما أعرف، على كل حال، أخبريني عن أحوالك وأخبارك وأمورك في المجتمع؟

اللغة العربية المجتمعية: هنا كل شئ تمام، وأما أنا فأظن أنا أيضا مثلك، لا أعرف شيئا عن طفولتي...

اللغة العربية الصحراوية: (في يأس وقنوط) فنحن لا نعلم شيئا بطفولتنا ونشأتنا.

اللغة العربية المجتمعية: حقا، لا، لكن يقال إن أرومتنا نبتت في أرض واحدة، ونحن من بنات اللغة السامية.

اللغة العربية الصحراوية: (متسائلة) أحقا؟ نحن من بنات اللغة السامية؟ والسامية هي نسبة إلى سام بن نوح؟

اللغة العربية المجتمعية: أجل يا حبيبتي، هذا حق، نحن ننتمي إلى فصيلة اللغات السامية، لكن هذا من سوء حظنا أنه لا يوجد تاريخ مدون لولادتنا وطفولتنا، ,وإن كنا نعلم جيدا بمرحلة نضجنا التي وصلنا إليها اليوم، وهو ما يتجلى في غزارة شعره الذي لا تضاهيه أية لغة أخرى في العالم....

اللغة العربية الصحراوية: نعم هذا من سوء حظنا، كنت راقدةً في الصحراء وكنتِ هنا، ومتى استيقظت أنت؟

اللغة العربية المجتمعية: يا حبيبتي أنا لا أنام مثلك، وهذا من فضل ربي، أنظري هنا، الناس ينطقون بي دائما، وأنا فخورة بذلك..

اللغة العربية الصحراوية: نعم والله هذا من حسن حظك، وأما أنا فكنت طريدة شريدة في الصحراء...

اللغة العربية المجتمعية:طربتُ عندما سمعت أمامة بنت الحارث توصي ابنتها وتعلمها الخصائل العشرة....هل تريد أن تسمع بعضا منها؟

اللغة العربية الصحراوية: بلى يا أختي الغالية، تفضلي لأستمتع بها.

اللغةُ العربيةُ المجتمعية: حسنًا، استمعي وعي يا أختي المؤدّبة، أترين تلك الأمَّ الجالسةَ أمامَ الفتاةِ جميلةِ الهندام، المحفوفةِ بهالةٍ من الاحترام؟

اللغة العربية الصحراوية: نعم، نعم هي أم مع ابنتها الجميلة....

اللغة العربية المجتمعية: هي أمامة بنت الحارث تقرأ وصيتها لابنتها أم إياس عند زفافها مع عمرو بن حجر أمير كندة ...

أمامةُ بنتُ الحارث: (تفتحُ الورقةَ للوصيّة وتقرأ)

أيْ بُنيّةُ، إنَّ الوصيّةَ لو تُرِكَتْ لفضلِ أدبٍ، لَتُرِكَتْ لذلك منكِ، ولكنّها تذكرةٌ للغافلِ، ومعونةٌ للعاقلِ. ولو أنّ امرأةً استغنتْ عن الزوجِ لغِنى أبويها وشدّةِ حاجتِهما إليها، لكنتِ أغنى الناسِ عنه، ولكنّ النساءَ للرجالِ خُلِقن، ولهنَّ خُلِقَ الرجالُ.

أيْ بُنيّةُ، إنكِ فارقتِ الجوَّ الذي منه خرجتِ، وخلفتِ العشَّ الذي فيه درجتِ، إلى وكرٍ لم تعرفيه، وقرينٍ لم تألفيه؛ فاحفظي له خصالًا عشرًا يكنْ لكِ ذخرًا:

أمّا الأولى والثانية: فالخشوعُ له بالقناعة، وحُسنُ السمعِ له والطاعة.

وأمّا الثالثة والرابعة: فالتفقّدُ لموضعِ عينيه وأنفه، فلا تقعُ عينُه منكِ على قبيحٍ، ولا يشمُّ منكِ إلا أطيبَ ريح.

وأمّا الخامسة والسادسة: فالتفقّدُ لوقتِ منامه وطعامه، فإن تواترَ الجوعِ مَلهَبَةٌ، وتنغيصَ النومِ مغضبةٌ.

وأمّا السابعةُ والثامنة: فالاحتراسُ بماله، والإرعاءُ على حشمه وعياله، ومِلاكُ الأمرِ في المالِ حسنُ التقدير، وفي العيالِ حسنُ التدبير.

وأمّا التاسعةُ والعاشرة: فلا تعصينَ له أمرًا، ولا تفشينَ له سرًّا؛ فإنكِ إن خالفتِ أمره أوغرتِ صدره، وإن أفشيتِ سرَّه لم تأمني غدره.

ثم إياكِ والفرحَ بين يديه إن كان مهمومًا، والكآبةَ بين يديه إن كان فرحًا.

اللغة العربية المجتمعية:(بعد الإكمال تنظر إليها وتقول) هي وصية أيقظتني....
اللغة العربية الصحراوية: آهههه ما أحسن الوصية، هي تذكرة للغافل ومعونة للعاقل، النساء للرجال خلقن، ولهن خلق الرجال. ما أحسن الكلام يا أختي!

اللغةُ العربيةُ المجتمعية: نعم، وبعد ذلك التقيتُ الخطباءَ والأدباء، ومنهم قُسُّ بنُ ساعدة وعمرو بن معدي كرب... انظري هنا، قُسُّ بنُ ساعدة يُلقي خطبةً على المجتمع... تفضّلي نستمعُ إليه...

قُسُّ بنُ ساعدة: (يقومُ مُتكئًا على عصاه، وينظرُ إلى المجتمع، ويبدأ بتحيّةِ السلام)

أيُّها الناسُ، اسمعوا وعُوا: من عاشَ مات، ومن ماتَ فات، وكلُّ ما هو آتٍ آتٍ.
ليلٌ داجٍ، ونهارٌ ساجٍ، وسماءٌ ذاتُ أبراجٍ، وأرضٌ ذاتُ فِجاجٍ، وبحارٌ ذاتُ أمواجٍ، ونجومٌ تزهر، وبحارٌ تزخر.

إنَّ في السماءِ لَخبرًا، وإنَّ في الأرضِ لَعِبرًا.
ما بالُ الناسِ يذهبونَ ولا يرجعون؟ أَرَضُوا فأقاموا؟ أم تُرِكوا فناموا؟

تبًّا لأربابِ الغفلةِ من الأممِ الخاليةِ والقرونِ الماضية.
يا معشرَ إياد، يا معشرَ إياد: أين الآباءُ والأجداد؟ وأين الفراعنةُ الشِّداد؟
ألم يكونوا أكثرَ منكم مالًا، وأطولَ آجالًا؟

طحنهم الدهرُ بكلكله، ومزّقهم بتطاوُله...

اللغةُ العربيةُ الصحراوية: واللهِ يا أختي، معظمُ الناسِ ينطقونَ بنا، ونحنُ لا ندري عددَهم بالضبط. أَهنا الشعراءُ يَحِلّونَ في المجتمع، أم أنّ الشعراءَ للصحراءِ فقط؟

اللغةُ العربيةُ المجتمعية: يا حبيبتي، أنا لا أهتمُّ بالشعرِ والشعراءِ؛ لأنَّ الشعراءَ يتبعهم الغاوون، فالشعرُ والشعراءُ لكِ يا جميلة...

اللغةُ العربيةُ الصحراوية: لكنكِ الآن أجملُ وأسحرُ مني، انظري، كلُّ امرئٍ يشتاقُ إليكِ ويُلازمُكِ كالبعل...

اللغةُ العربيةُ المجتمعية: ولذا أقولُ إنَّ الاستعارةَ والتشبيهَ والتوريةَ لِمَن يتبعهم الغاوون، وهم الشعراء، وأنتِ لهم وهم لكِ يا جميلة. واليومَ أنتِ هنا غريبة، وغدًا ستكونين عروسًا لهذا المجتمع حين تلتقين بزُهيرٍ وعمرو بن كلثوم...

اللغةُ العربيةُ الصحراوية: ومن هؤلاء؟ أَهُم شعراءُ المجتمع؟

اللغةُ العربيةُ المجتمعية: (مازحةً) أصبتِ بسرعةٍ يا بنتَ البادية...

اللغةُ العربيةُ الصحراوية: أنتِ أختي، وقد سبقتِني في الزواج، وارتقيتِ إلى قمّةِ المكانة؛ فأنا أيضًا أبحثُ عمّن يُوصلني إلى منزلتكِ يا أختي الأديبة.

اللغةُ العربيةُ المجتمعية: آهٍ، صحيح! تفضّلي يا جميلتي، غدًا ستُقامُ حفلةٌ في سوقِ عكاظ، وسيأتي الشعراءُ إلى هنا ليُظهروا جمالكِ أمام الناس.

اللغةُ العربيةُ الصحراوية: آهٍ، واللهِ إنّي مسرورةٌ جدًّا يا أختي، تفضّلي نتهيّأ معًا للغد.

(تغيبانِ عن المسرح)

المشهد الثالث

(يأتي الناسُ زرافاتٍ ووحدانًا من أنحاءِ العالم، يقصدون هذه السوقَ مع الأطفالِ والنساء، ليستمتعوا بمختلفِ المعروضات والثقافات. ويقصدها كذلك كبارُ التجّارِ من كلِّ مكانٍ طلبًا للربح، ويؤمّها الشعراءُ ليُظهروا براعتهم في فنهم الأدبي، ومنهم زُهيرٌ وعمرو بن كلثوم والخنساء. تُقامُ المنصّةُ في وسطِ السوق، ويحيطُ بها الناسُ من كلِّ ناحية، وتتصدّر هذه الحفلةَ الشعريةَ الشاعرةُ الكبيرةُ الخنساء.)

اللغةُ العربيةُ المجتمعية: (تدخلُ مع الصحراويةِ السوقَ، تمازحان) اليومَ يومُكِ يا جميلة! وستُنيرينَ السوقَ بفصاحتكِ وبلاغتِكِ، كما تُنيرُ الشمسُ القمرَ في السماء.

اللغةُ العربيةُ الصحراوية: وأنتِ تعلّمتِ، يا حبيبتي، التشبيهَ في صحبتِنا، وتستعيرينَ منّا، كما يستعيرُ القمرُ نورَه من الشمسِ في السماء...

اللغةُ العربيةُ المجتمعية: هيّا، هيّا! وانظري هنا، على المنصّة، قام شاعرٌ هو زهيرُ بنُ سُلمى، شاعرُ الأشراف، والمشهورُ بالحوليّات...

اللغةُ العربيةُ الصحراوية: يا أختي، انظري إلى عينيه، تلمعانِ كنجمينِ في السماء، يلمعانِ في الليلِ المظلم...

زهير بن سلمى: (يقوم ويرى الناس جميعا وعلى رأسه عمامة بيضاء ويبدأ بإنشاء قصيدته):

أَمِن أُمِّ أَوفى دِمنَةٌ لَم تَكَلَّمِ                  بحَومــــــــانَةِ الدُرّاجِ فَالمُتَثَلَّمِ

يَميناً لَنِعمَ السَيِّدانِ وُجِدتُما                عَلى كُلِّ حالٍ مِن سَحيلٍ وَمُبرَمِ

تَدارَكتُما عَبساً وَذُبيانَ بَعدَما              تَفانوا وَدَقّوا بَينَهُم عِطرَ مَنشِمِ

عَظيمَينِ في عُليا مَعَدٍّ وَغَيرِها             وَمَن يَستَبِح كَنزاً مِنَ المَجدِ يَعظُمِ

فَلا تَكتُمُنَّ اللَهَ ما في نُفوسِكُم                 لِيَخفى وَمَهما يُكتَمِ اللَهُ يَعلَمِ

يُؤَخَّر فَيوضَع في كِتابٍ فَيُدَّخَر              لِيَومِ الحِسابِ أَو يُعَجَّل فَيُنقَمِ

وَما الحَربُ إِلّا ما عَلِمتُم وَذُقتُمُ              وَما هُوَ عَنها بِالحَديثِ المُرَجَّمِ

جَريءٍ مَتى يُظلَم يُعاقِب بِظُلمِهِ سَريعاً     وَإِلّا يُبدَ بِالظُلمِ يَظلِمِ

سَئِمتُ تَكاليفَ الحَياةِ وَمَن يَعِش     ثَمانينَ حَولاً لا أَبا لَكَ يَسأَمِ

وَأَعلَمُ عِلمَ اليَومِ وَالأَمسِ قَبلَهُ  وَلَكِنَّني عَن عِلمِ ما في غَدٍ عَمي

وَمَن لا يُصانِع في أُمورٍ كَثيرَةٍ            يُضَرَّس بِأَنيابٍ وَيوطَأ بِمَنسِمِ

وَمَن يَكُ ذا فَضلٍ فَيَبخَل بِفَضلِهِ             عَلى قَومِهِ يُستَغنَ عَنهُ وَيُذمَمِ

وَمَن يَجعَلِ المَعروفَ مِن دونِ عِرضِهِ        يَفِرهُ وَمَن لا يَتَّقِ الشَتمَ يُشتَمِ

وَمَن لا يَذُد عَن حَوضِهِ بِسِلاحِهِ              يُهَدَّم وَمَن لا يَظلِمِ الناسَ يُظلَمِ

وَمَن هابَ أَسبابَ المَنِيَّةِ يَلقَها                   وَلَو رامَ أَسبابَ السَماءِ بِسُلَّمِ

وَمَن يَغتَرِب يَحسِب عَدُوّاً صَديقَهُ        وَمَن لا يُكَرِّم نَفسَهُ لا يُكَرَّمِ

وَمَهما تَكُن عِندَ اِمرِئٍ مِن خَليقَةٍ             وَإِن خالَها تَخفى عَلى الناسِ تُعلَمِ

(تقومُ رئيسةُ الجلسةِ الشعرية، الخنساء، إكرامًا للشاعرِ زهيرٍ الذي ألقى رائعته أمام الحضور. ويتهامسُ الناسُ فيما بينهم، وبعضُهم يهتفُ: ما أروعَ هذه الأبياتِ وما أجملَها!)

الخنساء: والآن بين أيديكم الشاعر الكبير عمرو بن كلثوم....

اللغةُ العربيةُ المجتمعية: (مخاطبةً الصحراوية) أأنتِ على الأرضِ، أم بلغتِ السماءَ من شدّةِ الغبطة؟

اللغةُ العربيةُ الصحراوية: لا، أنا بين يديكِ، وأحظى بالاستماعِ إليهم وأستمتع به أيما استمتاعٍ.

(يقومُ عمرو بنُ كلثوم، مرتديًا لباسَ الملوك، ومتقلّدًا سيفَه، فينظر إليه الجميعُ)

اللغة العربية الصحراوية: من هذا؟

اللغةُ العربيةُ المجتمعية: ها هو شاعرُ الفخرِ والحماسة، سيُوصِلُكِ إلى دارِ الملوك... هيّا نَستمعُ إليه.

أَلاَ هُبِّي بِصَحْنِكِ فَاصْبَحِيْنَا   وَلاَ تُبْقِي خُمُوْرَ الأَنْدَرِيْنَا

وَكَأْسٍ قَدْ شَرِبْتُ بِبَعْلَبَكٍّ   وَأُخْرَى فِي دِمَشْقَ وَقَاصرِيْنَا

بِأَنَّا نُوْرِدُ الرَّايَاتِ بِيْضاً        وَنُصْدِرُهُنَّ حُمْراً قَدْ رُوِيْنَا

أَلاَ لاَ يَجْهَلَنَّ أَحَدٌ عَلَيْنَا         فَنَجْهَلَ فَوْقَ جَهْلِ الجَاهِلِيْنَا

كَأَنَّا وَالسُّيُوْفُ مُسَلَّلاَتٌ     وَلَدْنَا النَّاسَ طُرّاً أَجْمَعِيْنَا

بِأَنَّا المُطْعِمُوْنَ إِذَا قَدَرْنَا      وَأَنَّا المُهْلِكُوْنَ إِذَا ابْتُلِيْنَا

وَأَنَّا المَانِعُوْنَ لِمَا أَرَدْنَا       وَأَنَّا النَّازِلُوْنَ بِحَيْثُ شِيْنَا

وَأَنَّا التَارِكُوْنَ إِذَا سَخِطْنَا             وأَنَّا الآخِذُوْنَ إِذَا رَضِيْنَا

وَأَنَّا العَاصِمُوْنَ إِذَا أُطِعْنَا       وَأَنَّا العَازِمُوْنَ إِذَا عُصِيْنَا

وَنَشْرَبُ إِنْ وَرَدْنَا المَاءَ صَفْو     اًوَيَشْرَبُ غَيْرُنَا كَدِراً وَطِيْنَا

مَلأْنَا البَرَّ حَتَّى ضَاقَ عَنَّا       وَظَهرَ البَحْرِ نَمْلَؤُهُ سَفِيْنَا

إِذَا بَلَغَ الفِطَامَ لَنَا صَبِيّ              تخِرُّ لَهُ الجَبَابِرُ سَاجِديْنَا

(تقومُ الخنساءُ إكرامًا وتقديرًا، وتصفّقُ أمامَ الناس، ويهتفُ المستمعون: "الجائزة لعمرو بنِ كلثوم، الجائزة لعمرو بنِ كلثوم!"، ويعلو صوتُ التعليق حتى يكادُ يحجبُ صوتَ الخنساء).

طفل: (يُردّدُ بيتًا أمام الأطفال ويُطربُ الجميع)
إِذَا بَلَغَ الفِطَامَ لَنَا صَبِيٌّ ** تَخِرُّ لَهُ الجَبَابِرُ سَاجِدِينَا

الخنساء: أوّلًا، أشكركم جميعًا على حضوركم هذه الجلسةَ المباركةَ الطيّبة، بمناسبةِ اللغةِ العربيةِ العزيزة، بنتِ عدنان. اليومَ يومُ فرحٍ وسرور، يومُ بهجةٍ وغبطةٍ لي ولكم؛ إذ كنتُ نائمةً في جنّةِ البقيع، فأيقظني هؤلاء الشعراءُ لأتولّى رئاسةَ هذه الحفلة. لقد تشرفتُ بلقائكم، وسُررتُ جدًّا باستماعكم. وأنتم تعرفون أنّ هؤلاء الشعراءَ من أصحابِ المعلّقات، فستُعلَّقُ قصائدُهم على جدارِ الكعبة...

اللغةُ العربيةُ المجتمعية: أنتِ، واللهِ، أجملُ وأسحرُ وأكثرُ تأثيرًا في الأدبِ يا حبيبتي.

اللغةُ العربيةُ الصحراوية: شكرًا، شكرًا لكِ يا أختي. نحنُ واحدٌ؛ كلُّنا أجملُ وأسحرُ وأسهلُ، وهذا من فضلِ ربِّنا العظيمِ الذي جعلنا خالدينَ، سيدة وإمامًا لجميعِ اللغات.

..

شكرا لكم

***************************************************************************

 


[1]طالب في السنة الأولى من الماجستير في جامعة جواهرلال نهرو في نيو دلهي

 

Post a comment:



© 2022 Qutoof Al-hind Journal